فخر الدين الرازي

27

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى اللّه حيث قالوا هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] وقالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] وفي إعراب الآية وجوه الأول : قال صاحب « الكشاف » : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف والثاني : آلهة وقربانا حال ، وقيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظا ، والحال مشعر بتمام الكلام ، ولا شك أن إتيان الحال بين المفعولين على خلاف الأصل الثاني : قال بعضهم قُرْباناً مفعول ثان قدم على المفعول الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين والثالث : قال بعض المحققين : يضمر أحد مفعولي اتخذوا وهو الراجع إلى الذين ، ويجعل قربانا مفعولا ثانيا ، وآلهة عطف بيان ، إذا عرفت الكلام في الإعراب ، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم اللّه هلا نصرهم الذين عبدوهم ، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى اللّه ليشفعوا لهم بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر ممتنع . ثم قال تعالى : وَذلِكَ إِفْكُهُمْ أي وذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على اللّه الكذب في إثبات الشركاء له ، قال صاحب « الكشاف » : وقرئ أفكهم والإفك والأفك كالحذر والحذر ، وقرئ وذلك إفكهم بفتح الفاء والكاف ، أي ذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق ، وقرئ إفكهم على التشديد للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أي قولهم الإفك ، أي ذو الإفك كما تقول قول كاذب . ثم قال : وَما كانُوا يَفْتَرُونَ والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم في إثبات الشركاء للّه تعالى ، واللّه أعلم . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 29 إلى 32 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر ، بيّن أيضا أن الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر ، وأن مؤمنهم معرض للثواب ، وكافرهم معرض للعقاب ، وفي كيفية هذه الواقعة قولان الأول : قال سعيد بن جبير : كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا : هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب ، وكان قد اتفق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام ، فلما انصرف إلى مكة ، وكان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر ، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين ، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم ، فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب والقول الثاني : أن اللّه تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى اللّه تعالى ويقرأ